الرئيسية » مقالات وآراء » الغرسُ المقَّس

الغرسُ المقَّس

   مدرستنا شهر واحد يفصِلُنا عن الدخول المدرسيِّ، فصلِ الغرسِ الجميل النبيل، فصل الغرس الفكريِّ الروحيِّ الراقي، فصل الغرس المقدَّسِ، غرسِ العلم والدين والأخلاق، فصلِ بناء الانسان، والسموِّ به من الدونيَّة البهيميَّة، إلى عُلوِيَّة الروح والعلم التكريمية.
والغرسُ هذا، الذي سينطلقُ الشهرَ المقبلَ إن شاء الله، لا يفضُله في الكونِ غرسٌ أبدا؛ لا غرسُ البذور والأشجار، ولا غرسُ الأحجار وعلوُّ الأسوار، ولا غرسُ الدرهم والدينار، ولو بنيَّة الاستثمار؛ لأنَّ أحسنَ وأنفعَ وأجملَ استثمار، هو بناء الانسان، وصناعة الرجال، وإعداد أكفأ الآباء والأمَّهات.

    ونحن إن نتحدَّثُ عن هذا الموضوع في هذا الوقت، لا نختزل عمليَّةَ التعليم، وغرس الفضائل، وبناء الانسان، في عمليَّة التعليم المدرسيِّ الرسمي الذي يعتمد على تلقين بعض العلوم والمعارف المحدودة في عددها، المحصورة في الزمن والعمر؛ وإنَّما نظرتنا إلى هذه العمليَّة، عمليَّةِ البناء والتكوين الانساني، تشمل كلَّ حياة الانسانِ، ذكرا كان أو أنثى، من أوَّلِ يوم في حياته، إلى آخر لحظة له فيها. -“أُطلبوا العلمَ ولو بالصين”- كما تشمل كلَّ الجوانب الحياتية المتشعِّبة.

    فتلقينه كتاب الله تعالى وسنَّةَ رسوله عليه السلام، غرسٌ.

    وتعليمه أحكام دينه، وشرعِ ربِّه وما أحلَّ الله وحرَّم، غرسٌ.

    وتأديبه على حسنِ الخُلُقِ وحسنِ معاملة خلق الله غرسٌ.

    وتدريبه على أيِّ علمٍ أو خبرةٍ دنيويَّة يفيد بها خلق الله، ويعمِّر بها أرضه، غرسٌ.

    وتدريبه على أيُّ شيءٍ يتعلَّمه، فيرفعه من الحيوانية الدنيَّة، غرسٌ.

    حتَّى تعليمه وضعَ اللقمة في فيه

    ولقداسةِ هذا الغراس، وأهمِّيته وضرورته، جنَّد الله تعالى له أطرافا مختلفة، وأيادٍ عديدة، وعزَّزها بأوامرَ وتكاليف شرعية، جعلته فريضة شرعية تكليفية عينية، أوجبَ على كلِّ الأطراف القيام بها كاملة غير منقوصة، يؤجَر القائم بها بكفاءة واقتدار، ويؤزر المقصِّر فيها تهاونا وتخلِّيا، ولا يُقبل منه أيُّ اعتذار.

    ولا بأس هنا، بهذه المناسبة أن نذكر أهمَّ هذه الأطراف، لنذكِّرها بمسؤوليتها العظيمة في هذه العملية النبيلة المقدَّسة، لعلَّها تتجنَّد لواجبها هذا بنَفَسٍ جديد، وعزمٍ أكيد، وإرادة قويَّة، فنبدأ بأوَّل هذه الأطراف، وهما:

    1- الأبوان:
    أ‌- الأمُّ: فالأمُّ هي الطرف الأوَّل في العملية التربوية البنائية للإنسان، بكونها المستقبلة الأولى له في هذا الوجود، فتقوِّم فيه الغريزة من البهيمية إلى البشريَّة، وتبعثُ فيه الفطرةَ الانسانية الراقية الكامنة فيه، التي كرَّم الله تعالى بها الجنس البشري. «وَلَقَدْ كرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ والبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً»، وتحضِّر فيه الأرضية الخصبة اللائقة للمراحل القادمة من عملية الغراس التربوي التكويني المقدَّس.

    لهذا جعل الله تعالى الجنَّة تحت أقدامها، وكرَّمها بثلثي الحقوق عن الأب. وصدق قول الشاعر فيها: الأمُّ مدرسة إذا أعددتها — أعددتَ شعبا طيِّب الأعراق

    ب‌- الأبُ: الطرف الثاني في العملية المقدَّسة، يبدأ دوره عندما يضع يده فوق يد الأمِّ على مشعل التربية والتكوين لطفلهما وطفلتهما، فيتعاونان على عملية البناء، يكون الأب فيها القدوة لطفله والمثل الأعلى بصدقه في الحديث، ووفائه بالوعود والعهود، وحسن الهندام، وعمق الالتزام بتعاليم دينه وأخلاق قومه، وحسن معاملته لأفراد الأسرة، ابتداء من الأمِّ والأب، إلى الزوجة والأخت والأخ وغيرهم، والمرافقة الحسنة ليشهد ويتعلَّم الطفل من أبيه كيفية اختيار الاصدقاء، وكيفية التعامل معهم، وكيفية الحوار والاتصال في مختلف التعاملات مع كل الناس. لهذا نصح خبراء التربية الأب بقولهم:

    -“لاعب ابنك سبعًا، ثمَّ أدِّبه سبعًا، ثمَّ رافقه سبعًا”-

    2- المعلِّم: الطرف الثالث في عملية الغراس المقدَّس، ولأهمَّية دوره رفعه العلماء إلى مكانة مرموقة تقترب إلى القداسة عندما شبَّهوا مهمَّته برسالة الأنبياء والرسل. فقال أحدهم:

               قُـــم للمعلِّم وفِّه التبجيلا — كاد المعلِّم أن يكون رسولا
      أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي — يبني وينشئ أنفسا وعقولا

    لهذا على المعلِّم واجب كبير ومسؤولية عظيمة جدَّا، فينبغي عليه أن يسعى إلى الكمال قدر المستطاع، وأن يتخلَّق بأخلاق الأنبياء والرسل والعلماء والعظماء، وأن يعتني بهندامه، ونظام حياته العادية في القسم وفي الشارع، ومنطوق لسانه، وتعابير ملامحه، ومواقيت ابتساماته وتكشيراته، واستقامة قامته، وحركات أطرافه؛ فكل ذلك عند الفتى والفتاة محسوب ومسجَّل على أنَّه الكمال من شخص كامل أو قريب من الكمال.

    إضافة إلى وجوب توفُّر الكفاءة المهنية والمنهجية العلمية في طرق التدريس لدى المعلِّم، وامتلاء وطابه بالمعلومات الغزيرة التي يزوِّد بها تلاميذه، في المواد التي يدرِّسها، وفي مختلف العلوم والمعارف من كلِّ الفنون العلمية والفكرية والأدبية وغيرها.

    3- المدير: هذا طرف رابع في عملية الغرس العلمي والتربوي في الانسانية، ولا يقلُّ دوره فيها أهمِّية عن دور الأطراف الثلاثة السابقة، ودوره داعم للمعلِّم والوالد والأمِّ في العملية، فهو كلُّهم خارج القسم والبيت. فعليه أن يحسن اختيار المعلِّم للطلاَّب، كما يختار الأب الأمَّ لأبنائه، ضمن مواصفات محدَّدة تضيف إلى مدرسته رفعة ومكانة تجعل منها منارة علم وفكر وتربية بصدق.
ومن الخطأ الكبير أن نعتبر أنَّ دور المدير في المدرسة هو دور إداري نظامي انضباطي فقط، بل هو أعظم من ذلك بكثير، لا يقلُّ أهمّْية عن دور الأطراف الأخرى، إضافة إلى كونه المسؤول الأوَّل على تحقيق الأهداف الأساسية لعمليَّة التعليم في المدرسة.

    4- المدرسة: هي البيت الثاني للفتاة والفتى، لهذا يجب أن تكون المدرسة بيتا وبيئة صالحة لتربية النشء تربية صالحة شاملة لكل جوانب الحياة، تضيف إليه العلم، وتزرع فيه الخلقَ الحسن، وتمكِّن فيه التديُّن الصحيح، وتجمعه بالرفقة الصالحة.

    وهي مخبر تربوي اجتماعي أكثر منها مؤسَّسة تعليمية تلقِّن المحفوظات المختلفة، وتقدِّم المعلومات الكثير للطالب، لأنَّ الفتى يجد فيها المعلم الملقِّن للمعلومة، والمثل الأعلى في الطباع والسيرة، والمدير المرجع، الذي يضبط الأمور ويزنها، كما يجد الزميل الرفيق الي منه يأخذ نصف علمه وطباعه وأخلاقه.

    فالعملية التربوية غرسٌ، لها وسائلها وأدواتها المختلفة، ابتداء من الأمِّ والأب والمعلِّم والمدير والمؤسَّسة، إلى الكتاب والتلفزة والكرَّاس، والفتى والفتاة هما التربة التي تتلقَّى الغراس، فبقدر صلاح وكفاءة إخلاص الأطراف المساهمة في العملية، وصلاحية الأدوات والوسائل المستعملة فيه، تكون النتائج مرضية قيِّمة تسهم في صلاح العباد والبلاد.

بقلم: يوسف بن يحي الواهج

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*